نشأة الفلسفة

The ancient Agora of Athens, a cradle of philosophical thought.

كان الخطر الذي يحيط بالإنسان ما يزيد حبه للبقاء، فالحياة التي كان يعيشها لم تكن كريمة بما فيه الكفاية، بحيث طور قدراته الى أقصاها مما يعينه على عيش حياة أفضل وتعينه على جمع القوت والحفاظ على حياته. ومع تغير الزمان أخذ الخطر يزول شيئا فشيئا ومع ذلك لا يزال الانسان يشحذ مواهبه وقدراته وامكانياته، لكن رغم ذلك استطاع أن يظفر بشيء من الفراغ الفينة بعد الفينة، ينعم به بعد جهد العيش الجهيد، فأخذ يحلم بهذا الكون الذي يحيط به، والذي يبعث الخوف واللذة في النفس، ولهذا ما عليه إلا أن يرضي خياله الساذج سوى بضع تصورات من نسج الخيال، وهكذا كانت الميثولوجيا أول الأمر وكان يشبع فضوله بأساطير من وحي خياله، فإذا بهذا الخيال يضيق شيئا فشيئا، ومساحة العقل (اللوغوس) تتسع بدل ذلك، وبدأ الفكر يأخذ مكانه في حياة الانسان ويسائل نفسه لماذا كان هذا هكذا ولم يكن غيره؟ وكيف نشأ ذلك؟...فبدأت الفلسفة؟

فما معنى الفلسفة؟ وأين ومتى ظهرت؟ وما هي العوامل التي ساهمت في ظهورها؟

معنى الفلسفة

علينا أن نضع حدا بين مفهوم الفلسفة وما عداها من صنوف العلم والحقول المعرفية الأخرى. يصعب تحديد مفهوم الفلسفة ذلك أن كلمة الفلسفة لم تستقر على مدلول واحد طوال العصور، إنما اختلف معناها اختلافا بعيدا، كما اختلفت مباحثها. ففي بداياتها كانت تضم جميع أنواع المعرفة لكن هذه الأنواع بدأت بالاستقلال شيئا فشيئا. في دلالتها اللغوية نجد كلمة فلسفة تنقسم الى قسمين فيلو تعني محبة وصوفيا بمعنى حكمة، بالتالي فكلمة فيلوصوفيا تعني محبة الحكمة، وتبعا لما يرويه بعض المؤرخين ففيثاغورس كان أول من وضع معنى محددا لكلمة فلسفة بحيث نسب إله أنه قال " إن صفة الحكمة لا تصدق على أي مخلوق بشري، وإنما الحكمة لله وحده". هناك من فهم الفلسفة على أنها "حكمة الحياة" وهناك من اعتبرها دهشة وتساؤل بينما هناك من عرفها بأنها نسق من الاعتقاد ورأى آخرون على أنها نظرة كلية للأشياء، في حين انتهى غيرهم الى اعتبارها نقد للفكر أو مجرد تحليل لغوي. والواقع أن رغم اختلاف الفلاسفة في تحديد مفهوم الفلسفة من الناحية الاصطلاحية إلا أنه يمكن القول إن التفلسف هو ضرب من النظر العقلي الذي يهدف الى معرفة الأشياء على حقيقتها.

مكان وزمان نشأة الفلسفة

في معظم كتب تاريخ الفلسفة، نجد المؤرخون يرجعوا نشأة الفلسفة الى الطبيعيين الأولين، وكأن التفكير الفلسفي قد ظهر إلى عالم الوجود للمرة الأولى في ملطية على يد طاليس الذي عاش في القرن السادس قبل الميلاد. فهل هذا يعني أنه لم تكن هناك فلسفة قبل ذلك الوقت في ذلك المكان بالضبط. إذا كانت الفلسفة حسب أفلاطون تبنى على المعارف العلمية الصحيحة، مهما كانت ضئيلة، فلا شك في أن بلاد اليونان كانت مهدها حسب بعض المؤرخين. إذا كانت لكل مجتمع أساطيره وخرافاته، فهل اليونان وحدها التي انتقلت الى مرحلة التفلسف بدل تفسير الكون على أساس أسطوري؟

لقد ظهرت أول مدرسة للفلاسفة لأول مرة في ملطية في القرن السادس ق.م وهي مدينة تقع على ساحل أيونية وكانت مركزا للتبادل التجاري، وتوجد في جنوبها الشرقي قبرص وفينيقيا ومصر. وفي شمالها بحر ايجه والبحر الأسود، والى الغرب توجد أرض اليونان الأصلية وجزيرة كريت. وهنا ظهر الحكماء الأوائل أولهم طاليس الذي جعل من الماء أصلا للكون، كما استطاع طاليس أن يتنبأ بكسوف الشمس، كما أنه استأنس بعلم الهندسة المصرية في قياس الأهرامات لكي يقيس المسافة التي تبعد بها السفن في البحر. أما أنكسمندر فقد اعتقد أن اللامحدود هو أصل الوجود هو اللامحدود وهي مادة لا شكل لها ولا نهاية لها. نهض أنكسمانس واختار مادة أخرى يعتبرها أصلا للوجود هي الهواء بحيث يشيع في كل الوجود يغلف الأرض ويملأ جوانب السماء، ويتغلغل في الأشياء والأحياء مهما كانت. إذن فهو الجوهر الأول الذي صدرت عنه جميع الكائنات، يتكاثف حينا فيكون شيئا، ويتخلخل حينا فيكون شيئا آخر، والهواء إذا أمعن في تخلخله انقلب نارا، فإذا ارتفعت كونت الشمس والأقمار.

وصلت الفلسفة الى أوج ازدهارها في بلاد اليونان التي تحدها جزيرة كريت في الجهة الجنوبية، وآسيا الصغرى في الجهة الشرقية، وتحدها إيطاليا غربا وأخيرا مقدونيا من جهة الشمال. تتميز اليونان جغرافيا بهضاب ومرتفعات وحواجز طبيعية من أرض وبحار، وكل هذه الخصائص الطبيعية لعبت دور الحاجز الذي قسم اليونان الى مناطق منعزلة جعلت من السفر والتواصل عملية صعبة التحقق. ولهذا كل منطقة في بلاد اليونان تطورت بذاتها من خلال اكتفاءها الاقتصادي الذاتي دون الاتكال على بلدان مجاورة وكانت أثينا من المدن اليونانية التي لعبت دورا كبيرا في استقطاب ثقافات أخرى بحيث هي ممر تجاري مميز ولها أسطول بحري كبير حربي حولته الى اسطول تجاري بعد تعاونها مع اسبارطة لصد أطماع الفرس الاستعمارية. وقد تضافرت مجموعة من الشروط في اليونان ساهمت في ظهور الفلسفة:

  • على المستوى الاقتصادي: ارتبط الاغريق بالبحر حيث ازدهرت لديهم الملاحة والتجارة والصناعة، مما أدى إلى بروز تقسيم العمل والمبادرة الفردية الحرة، كما ظهر النقد في المبادلات التجارية بدل المقايضة.
  • المستوى الاجتماعي: ظهور الطبقات الاجتماعية نتيجة تقسيم العمل إضافة الى ظهور المدينة الدولة التي سمحت ببزوغ عقلية جديدة، وقد اتسمت بالانسجام والتناغم، سواء على صعيد الفضاء الهندسي أو الجماعة البشرية التي تقطنها.
  • المستوى السياسي: تميزت المدينة اليونانية بسيادة الديمقراطية التي تمثلت في المساواة بين المجال الحضري والقروي الذي كانت تشمله، فللقرويين والحضريين نفس الحقوق ونفس الواجبات، حيث يحتكمون الى نفس المحاكم، ينتخبون نفس النواب، ويجتمعون تحت قبة نفس البرلمان.
  • المستوى الثقافي: كانت الثقافة مشتركة بين اليونانيين، ولم تعد امتيازا لبعض العائلات أو بعض الأدباء والمثقفين نتيجة انتشار الكتابة الأبجدية التي أتاحت للمواطنين جميعا تعلم القراءة والكتابة، كما أن المجال كان مفتوحا أمامهم للمشاركة في الحفلات والحضور الى المسارح للاستمتاع بجميع الابداعات الفنية والأدبية.
  • المستوى الفكري: كان للديمقراطية السياسية، وإشاعة الثقافة تأثير على تطور الأفكار عند اليونان، فبعد أن كانت الحقيقة تعد سرا غيبيا، صارت المعارف والتقنيات الذهنية معروضة أمام الجميع وفي واضحة النهار، وأصبحت قواعد العمل السياسي المتمثلة في الاشهار والنقاش الحر والحجاج، قواعد للفكر كذلك، تتجلى في نشر المذاهب والنظريات، واخضاعها للنقد، وإعطاءها صورة استدلالية برهانية، وهذه هي مظاهر التفكير الفلسفي.

تركيب

ظهرت الفلسفة بعد تضافر مجموعة من الشروط الاجتماعية والثقافية والسياسية في بلاد اليونان، لكن التفكير الفلسفي لم تكن بداياته في هذه الرقعة الجغرافية بالأساس، بل كان ظهورها في بلدان أخرى من الشرق، وقد لعبت الأسطورة دورا في التمهيد للفلسفة، فكان لكل شعب خرافاته الحيوية التي كانت تشبع حاجته إلى الفهم وميله إلى المعرفة. وهذا الى جانب أن الفلسفة الغربية نفسها قدر وقعت تحت تأثير الكثير من التقاليد الشرقية. بالتالي من الصعب أن نرجع الفلسفة الى جنس بعينه أو إلى حقبة دون أخرى لأن التفكير الفلسفي لم يكن في يوم من الأيام وقفا على قوم دون آخر أو شعب دون آخر.

ملخص بالذكاء الاصطناعي

اضغط على الزر للحصول على ملخص سريع لأهم نقاط الدرس باستخدام الذكاء الاصطناعي.

رشيد ابعوض

أستاذ فلسفة ومؤلف الدروس

أستاذ لمادة الفلسفة في السلك الثانوي التأهيلي، باحث في علم الاجتماع والفلسفة.